فن إتقان المسافات
إتقان المسافات هو المهارة الجوهرية التي تضمن استمرارية العلاقات الإنسانية وصحتها؛ فهي ليست ابتعاداً أو جفاءً، بل هي "هندسة نفسية" ذكية تمنح كل فرد مساحة كافية للتنفس والنمو دون المساس بكيان الآخر.
وهو تلك الهندسة النفسية الراقية التي تمنح العلاقات توازنها، فهو ليس دعوة للقطيعة أو الجفاء، إن هذا الفن يتطلب وعياً عميقاً بأن لكل إنسان "منطقة محظورة" نفسياً لا يمكن اقتحامها حتى من أقرب الناس إليه، فاحترام صمت الآخر، وتقدير رغبته في العزلة المؤقتة، وعدم التدخل في تفاصيله الدقيقة إلا بطلب منه، هو ما يحفظ للود هيبته ويمنع تحول القرب إلى عبء ثقيل، فالعلاقات التي تفتقر للمسافات غالباً ما تنتهي بالاحتراق والملل نتيجة الذوبان الكلي الذي يلغي استقلالية الفرد، بينما العلاقات التي تُبنى على "المسافة الواعية" تظل متجددة، لأنها تمنح كل طرف مساحة للتنفس والنمو والاشتياق، وبذلك يتحول فن المسافات إلى صمام أمان يحمينا من خذلان التوقعات العالية، ويجعل حضورنا في حياة الآخرين ضياءً مريحاً لا شمسه تحرق ولا بعده يظلم، فنحن نحتاج إلى المسافة لا لنبتعد، بل لنرى بوضوح أكبر ونبقى في القلوب فترة أطول.
إتقان المسافات يعني إيجاد تلك النقطة الوسطى التي تمنحك الدفء (القرب العاطفي) دون أن تخترق خصوصيتك أو تستهلك طاقتك (الألم).
الإتقان يبدأ من إدراك احترام الخصوصية لكل إنسان، حتى بين الأزواج أو الأصدقاء المقربين، احترام الغياب، عدم الإلحاح في الأسئلة، ومنح الآخر وقتاً للانفراد بنفسه، يعزز من قيمة اللقاء ويجدد الشغف في العلاقة.
المسافة المتزنة تمنع "الاحتراق العاطفي"، عندما تُلغي مسافاتك وتذوب في حياة الآخرين، تفقد هويتك وتصبح عرضة للخذلان، إتقان المسافة يعني أن تعطي بحب، لكن مع الاحتفاظ بحدود تحمي كرامتك واستقلاليتك.
وفي عصرنا الحالي زمن التواصل الاجتماعي، أصبح إتقان المسافات أصعب بسبب التواجد المستمر خلف الشاشات، فن المسافة هنا يتمثل في عدم فرض الوجود الرقمي على الآخرين، واحترام أوقات فراغهم، وعدم اعتبار "عدم الرد الفوري" إهانة شخصية.
ولإتقان فن المسافات فوائد كثيرة منها:
1/ ديمومة العلاقات: القرب الشديد غالباً ما يولد التصادم والملل.
2/ تعزيز الثقة: المسافة تعني أنك تثق في الآخر وفي مكانتك عنده دون الحاجة للمراقبة اللصيقة.
3/ النمو الشخصي: تسمح المسافة لكل طرف بتطوير مهاراته واهتماماته الخاصة، مما يثري العلاقة عند اللقاء.
خاتمة:
إتقان فن المسافات هو أن تعرف متى تقترب لتواسي، ومتى تبتعد لتحترم، ومتى تقف في المنتصف لتبقى حاضراً في القلوب لا ثقيلاً على النفوس، إنها المسافة التي تحفظ للحب هيبته وللصداقة قدسيتها، حيث يكمن الذكاء الإنساني في إيجاد تلك النقطة الوسطى التي تمنحنا الأمان والخصوصية في آن واحد.





